نخبة من الأكاديميين
37
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
من الحرير ، شهد رواجاً في تلك الفترة المعاصرة لعهد سابور الثاني ، نتيجة لتوافر الخبرات وتنوّعها ، مما أسهم في إنعاش حركة التجارة الخارجية ، التي ربما كانت وراء انتقال العاصمة من إصطخر إلى طيسفون « 1 » ( المدائن ) على شاطئ دجلة ، مناهضة للنفوذ الروماني ، ثم البيزنطي في ما بعد ، ومتأثرةً بصورة ما بثقافة البحر المتوسط « 2 » ، إذا توقفنا خصوصاً عند الحركات الدينية الإصلاحية التي شهدها المجتمع الفارسي في ذلك الحين « 3 » . وكانت مدينة نصيبين منذ أواخر القرن الثالث الميلادي ، مركزاً مهماً للمواصلات التجارية البرية بين الفرس والرومان ، وقد ظلّت محتفظةً بدورها حتى العهد البيزنطي « 4 » . وفي موازاة ذلك ازدهرت التجارة البحرية ، إذ نافس الأسطول الفارسي ، منذ العهد الساساني الأول ، الأسطول الروماني وتفوق عليه في منطقة البحار الشرقية « 5 » ، مما حال دون تقدّم الأخير في هذه الجبهات ، مما اضطره إلى الاعتماد على الأسطول الحبشي في نقل منتجات الهند وسيلان « 6 » ، في هذا الوقت كان الحرير ، المستورد من الصين ، من أهم أصناف ما يُسمى بتجارة « الترانزيت » لدى الفرس ، إذ كان هؤلاء يتحكّمون بأسعارها ، بعد أن ظلّت محيّدةً في الغالب عن الحروب الطاحنة بين الطرفين « 7 » . ولم يمضِ وقتٌ طويل ، وإذا بالأزمات تتوالى على إمبراطورية الرومان ، وكان أكثرها خطورة ، ما نجم عن الغزو الجرماني في الغرب ، مما دفع الإمبراطور قسطنطين الأول إلى مغادرة روما وبناء عاصمة عرفت باسمه على تخوم الشرق ، حيث تمّ تدشينها بمباركة الأساقفة ( 330 م . ) ، كما حرص على تسميتها ب - « روما الجديدة » ، توكيداً على استمرار الإمبراطورية القديمة ، ولكن القسطنطينية لم تعد تحمل إلا القليل من سمات العاصمة السابقة ، إذ سرعان ما تحوّلت إلى المسيحية بتأثير من « هيلانة » ، والدة الإمبراطور الذي تغيّرت صفته أيضاً ، فصار يُنسب إلى بيزنطة ، البلدة اليونانية التي قامت على أنقاضها العاصمة الجديدة ، فضلًا عن المتغيّر الذي فرض نفسه ، بفعل الاندماج الكلّي في الثقافة الإغريقية . وإذ تكرّس انفصال « روما الجديدة » ، عن روما القديمة في أواخر القرن الرابع الميلادي ( 395 م ) ، افتقدت الأولى إلى هالة الثانية ، وتراجعت طموحاتها الإمبراطورية بعد انكفاء نفوذها الغربي ، ومعه فتور نزعة التصادم مع الإمبراطورية الفارسية . ولعل الأخيرة في المقابل بعد توسّعها الأخير في عهد سابور الثاني ، والذي كان من نتائجه ، السيطرة على إقليم الجزيرة لم تبد حماسة في مقارعة الدولة البيزنطية التي اقتربت من تخومها . فاستعاضت عن الحرب المباشرة ، بإقامة « حاجز » بينها وبين أعدائها ، حين سمحت للعرب اللخميين ( المناذرة ) بإنشاء إمارة لهم في العراق ، لمراقبة تحركات البيزنطيين وحلفائهم . ولذلك شهدت المنطقة لوقتٍ غير قصير نمطاً آخر من الصراع ، تمثّل غالباً في « حرب الحواجز » ، بعد اعتماد البيزنطيين الخطّة عينها ، باتخاذ « حاجز » مماثل في الشام عُهد بإمرته إلى الغساسنة العرب من قبيلة الأزد . ولقد ساعدت هذه الترتيبات لدى الطرفين ، على إبعاد شبح الحرب ، حتى كان عهد الملك الفارسي قباد الأول في مطلع القرن السادس الذي بدَّد حالة السلام لصرف الأنظار عن الأزمة الداخلية ،
--> ( 1 ) على بعد ثلاثة فراسخ من الموقع الذي قامت عليه بغداد ، ياقوت ، معجم البلدان ج . 4 ص . 55 . ( 2 ) عبد المنعم ماجد ، التاريخ السياسي للدولة العربية ج . 1 ص . 195 . ( 3 ) اليعقوبي ، تاريخ ج . 1 ص . 160 وما بعدها . ( 4 ) كريستنسن ، المرجع السابق ص . 116 . ( 5 ) Reinaud , Relation politiques et commerciales de l'Empire Romain evec l'Asie Orientale . Paris , 883 . P . 241 ( 6 ) Reinaud . Op . cit . P . 269 ( 7 ) كريستنسن ، المرجع السابق ص . 117 .